باختصارٍ شديد: “أنتِ العمرُ كلُّه”.

وما إن رأتني أجتاز الطريق، وقفتْ منتصبةً في الجهة المقابلة، والعيونُ مغرورقة، ولا يكاد الكلام يخرج من فمها المبتسم؛ وكأنها تشاهد نجمًا سينمائيًا أو رسّامًا مشهورًا… لستُ أدري. لم أستطع حينها التحليل، وحين أصبحتُ بقربها، أمسكتْ يدي ومشت إلى جانبي، ولا تزال تحدّق في وجهي بعيونٍ دامعة.
لم أنفكّ حينها عن محاولة فهم هذا التعلّق والاندماج، الذي لم يسمح لي سوى أن أمتزج فيه، من دون أي تعليق أو حتى ردّة فعل. وإذا بالحسّ يستيقظ، والذاكرة تنفض عنها غبار سنينٍ مضنيةٍ مضت، وإذا بالوعي يتأهّب، والإدراك ينتعش، والقلب يخفق مرّاتٍ عديدة، ويضخّ أكثر من أي وقتٍ مضى… فعرفتُها.
ولا تزال تحدّق بي من دون أن تتفوّه بأي حرفٍ أو كلمة. وكيف تتكلّم، فما بيني وبينها أكثر من كلام؛ بل حبٌّ وسلام، صيفًا وشتاءً، ربيعًا وخريفًا. أبكى السماءَ وأيامًا عديدةً تخلّلتها أعيادٌ ومناسبات، وفرحٌ وعتاب، وحزنٌ ووجع.
نعم، بيني وبينها خوفٌ وهلَعٌ ووحدةٌ وجزَع. نعم، عرفتُها، فقد كلّفتُ الذي بيني وبينها لينوب عنها في التعبير. وما أجمل الذي بيني وبينها! منذ أن التقيتها، ضمّنا الحديثَ والفكرَ الوريثَ لأسلافنا وأجدادنا، الذين تمرّ صورهم من خلف نيران الموقدة المتأجّجة، بينما كنّا معًا نشرب القهوة ونتسامر حتى بزوغ الفجر.
كم هو جميلٌ الذي بيني وبينها؛ يبعث الأمل ويبرّر العلل. فهو قصّة حبٍّ ممزوجة بطفولةٍ أبت أن تكبر، وظلّت راقدةً حيث فارقتنا على عتباتها، وطلبت منّا حينها أن نذكرها كلّما أرهقنا كبرياؤنا وغرورنا، وكلّما نادتنا براءتنا لتحمينا من لكمات شخصيّاتنا المركّبة بفعل الحوادث والأحداث.
باختصارٍ شديد: إنّ الذي بيني وبينها… العمرُ كلُّه
ه.ك




