السلاح على السواء؛ زينة الرجال وسبب الاقتتال!

كتب د. روني خليل.
لطالما شكّل السلاح عبر التاريخ موقع قوّة لحامليه، وأشاروا على صاحبه بعبارات مثل “السلاح زينة الرجال”، ومع ولادة طفل ذكر، غالبًا ما نسمع عبارة شعبية “زدنا بارودة”، فهذا المعتقد ساد في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر نظرًا للحروب العديدة التي خاضها أهل البلد ونقصد هنا الفترة المتتدة من أوائل القرن ١٩ حتى يومنا هذا. والتاريخ يشهد على تسلسل معارك وحروب دامية بين أبناء البلد الواحد على وجه الخصوص.
وهنا نستذكر أبرز الأحداث الدامية ولا نقصد إثارة الأحقاد أو إعادة تكوين ذاكرة دموية بقدر ما هو سرد تاريخي مع التركيز على مبدأ سحب السلاح الذي كان يعود الى البحث بعيد كل معركة وحرب داخلية.
تمثلت أولى المواجهات في القرن ١٩ مع العاميات سنة ١٨٢٠ حين خضّع الأمير بشير الثاني كل محاولات الانتفاضات في الإمارة فأخضع عاميتي انطلياس سنة ١٨٢٠ ولحفد سنة ١٨٢١ والمقصود بالعامية؛ تجمّع عامة الشعب على قضية معينة، وحينها وقف أهل الجبل بمختلف مذاهبهم بوجه السياسة الضرائبية الظالمة بحقهم، فقام الأمير بعدها بسحب الأداة القتالية من أيدي العامية.
مع قدوم ابراهيم باشا القائد المصري الى لبنان سنة ١٨٣١، رفع قرارًا يقضي بسحب ما تبقى من السلاح من أيدي أبناء الجبل من نصارى ودروز، ومما جاء في الرسالة؛ ” ان الاوامر صدرت بجمع جميع السلاح الموجود عند النصارى والدروز، والامر صادر بالتشديد بسرعة انجاز هذه الماموريه وان الذي يتجاسر على الامر يكون تحت سيف الانتقام ولزم ان تحرروا لاعزاينا جميع المطارنة انهم ينبهوا ويشددوا على الرعية انهم حالاً يسرعوا بتقديم السلاح من دون عاقه ولا تأخير لان لهم بذلك الراحه والسلام…” من أرشيف بكركي رسالة من الامير بشير الثاني الى البطريرك يوسف حبيش في تشرين الثاني ١٨٣٢، الملف ٦، وثيقة رقم ٢٢٧٢.
وعليه، قدّم نصارى الجبل سلاحهم لكي لا يظهروا أنفسهم كعصاة على الحكم، في حين أظهر الدروز بدايةً العصيان ورفضوا تقديم أسلحتهم، لكن سرعان ما خضعوا للأوامر بعد التشديد عليهم. فسلّم أبناء الجبل سلاحهم وبدأت المناطق تباعًا تنفيذ الأوامر، فسلّم أهل الشوف والأقاليم والعرقوب والشحّار والمتن وكسروان وسواها من المناطق السلاح.
وعلى سبيل المثال، بلغ عدد السلاح في كسروان، ألف بندقية. وكمحصلة جمعت الإدارة المصرية ٥١١٣ بندقية من أيدي الدروز و ٩٦٤٧ بندقية من النصارى. أرشيف بكركي، ملفات البطريرك يوسف حبيش، الملف ١١، وثيقة رقم ٤٠٣٢. تشرين الأول ١٨٣٥.
وهكذا، امتثل أبناء الجبل من مسيحيين ودروز وشيعة لأوامر الحكم.
وما هي الا سنوات معدودة، حتى قامت بوجه الحكم المصري وحليفه الأمير بشير حركات تمرّد وعصيان في مناطق عدة أبرزها في حوران سنة ١٨٣٤ وتكررت سنة ١٨٣٨، فلتأليب الأهلين، أعاد القائد المصري تسليح قسم من أبناء الجبل أعني بهم النصارى. أرشيف بكركي، وثيقة ذات الرقم ٤٨٧٩ من الملف رقم ١٣، تاريخ ١٨٣٧.
وبعد إخماد شرارة العصيان، قدّم دروز حوارن وحاصبيا وراشيا وإقليم البلّان سلاحهم البالغ عدده ٢٧٠٠ بندقية، ألفين منها كانوا استولوا عليها من الجيش المصري خلال المواجهات و ٧٠٠ كانت في الأساس بحوزتهم. ونالوا في المقابل تعهدًا من الحكومة بإعفائهم من التجنيد وأعمال السخرة وتخفيض الضرائب. ومكافأة للأمير بشير وأتباعه، قدّم له ابراهيم باشا آلاف البنادق ووعد أبناء الجبل بتخفيف الضرائب وإعفائهم من أعمال السخرة نظرًا لمساعدته في إخماد حركات التمرّد التي تزعمها آنذاك شبلي العريان.
وما هي الا سنوات معدودة حتى عاد القائد المصري وأمر بسحب السلاح من أيدي مناصريه حتى، ففي ٦ أيار ١٨٤٠ أمر بجمع ١٦ ألف بندقية من أيدي الموارنة كان قد منحهم إياها خلال أحداث العام ١٨٣٨. وعلى الرغم من المعارضة الداخلية لتسليم السلاح، امتثل الموارنة للأوامر. وفي هذا الوقت قام قناصل الدول الأوروبية باستمالة أبناء الجبل، مقدمين لهم شتى أنواع الخدمات من سلاح ومال… وذلك بغية حصولهم على مواقع نفوذ في المنطقة تمهيدًا للإطاحة بحكم الأمير بشير والقائد المصري. وبعدما تهيأت الظروف، هب المسيحيون والدروز لمحاربة جيش ابراهيم باشا وحليفه الأمير بشير مستفيدين من دعم خارجي لهم وبتقديم العتاد والسلاح والأموال. وكانوا قد وقّعوا اتفاقية عرفت بعامية انطلياس حزيران ١٨٤٠ أقسموا فيها على الاتحاد من أجل التخلص من معاناتهم جراء سياسة حكومتهم، وبرزت أسماء قادتهم؛ أبو سمرا غانم، يوسف الشنتيري، أحمد داغر …
حاول الأمير بشير بعد توسع المعارك التوسط بينهم، فقدموا له عريضة تضمنت جملة مطالب كان من أبرزها الإبقاء على سلاحهم ورفع أعمال السخرة وتخفيف الضرائب، لكنّ محاولته باءت بالفشل، فاستمرت المعارك لكنّ مصيرها جاء لمصلحة الحكومة، فاستسلم الثوار وقدّموا سلاحهم للجيش المصري ولجيش الأمير بشير، وكان الرابح الأكبر من المعارك، القوى الخارجية التي دعمتهم بداية ومدتهم بالسلاح، فها هي والحالة هذه، تربح عبر إحكام سيطرتها على سياسة الجبل وإضعاف الحكم وبداية تأليب الأهلين ضد بعضهم البعض، فقدّمت بريطانيا بعد إخماد الثورة، المال والسلاح (٥ آلاف بندقية) مجددا للدروز، وعادت تحرضهم على الأمير بشير، وفي المقلب الآخر طلب الأمير بشير نصرة المسيحيين له ولحيلفه القائد المصري،
وفي الوقت عينه كانت المراكب العثمانية والبريطانية والنمساوية ترسو على الشواطئ اللبنانية منتظرة ساعة الصفر لإطلاق النيران على جيش القائد المصري وحليفه الأمير بشير بغية الإمساك بزمام الأمور. ففي أيلول ١٨٤٠ بدأ الإنزال البحري بالتزامن مع حشد القوى البرية من الأهلين من مختلف المذاهب واستطاعوا هذه المرة إنهاء حكم الأمير بشير وابراهيم باشا. ولم تستطع فرنسا حليفة الحكم المصري والأمير بشير على السواء من تقديم أي دعم يذكر. وهكذا استعادت السلطنة الإمساك بزمام الأمور في الجبل، وهذه المرة تركت السلاح بيد الأهالي من النصارى والدروز وكأنها على علمٍ مسبق بإشعال الفتنة بين الطرفين، فما ان أطل العام ١٨٤١، حتى بدأت المشاكل الداخلية؛
_ خطاب مذهبي تحريضي من الطرفين.
_ تسلّم الأمير بشير الثالث الحكم وعُرف بضعف شخصيته وسوء معاملته لزعماء الدروز.
_ فرض ضرائب جديدة باهظة.
_ عدم الاتفاق على تشكيل ديوان حكم من ممثلين عن أبناء الجبل نظرًا لتشابك المصالح والتنافس بين الأطراف.
_ تغيّر الواقع الديمغرافي الداخلي، فبعدما شكّل الدروز أكثرية عددية في الجبل في القرن ١٨ باتوا مع أواسط القرن ١٩ أقل عددًا على حساب الزيادة الديمغرافية المسيحية. ما ولّد أزمة سياسية تجلت في فتن أهلية…
_ تغذية الإحتقان الداخلي عبر تدخّل القناصل الأوروبيين فعمدت بريطانيا لدعم الدروز بوجه فرنسا الداعم الأكبر للموارنة، النمسا دعمت الروم الكاثوليك في حين دعمت روسيا الارثوذكس…
إزاء هذه المعطيات، إندلعت الفتنة الأهلية سنة ١٨٤١ بين أبناء البلد الواحد، (الموارنة والدروز)، وكان المنتصر الأكبر بعدها الدولة العثمانية، فبعد إنهاك المتقاتلين، أمسكت السلطنة بالحكم وأصدرت أوامرها وكان من بينها؛ “طلب سلاح الدروز اولاً والنصارى ثانيًا وان أبت (رفضت) الدروز والنصارى فبالجبر يؤخذ سلاحهم…” أرشيف بكركي، ملف ١٧، وثيقة رقم ٦٣٧٨ تاريخ ١٨٤١. وعمدت الى تعيين حاكم عثماني هو عمر باشا كمرحلة أولية قبل موافقتها على نظام القائمقاميتين وهو برأيي نموذج سيئ يشبه ما يحكى اليوم بالفدرالية لأنه قسّم جبل لبنان على أساس مذهبي (قائمقام مسيحي وآخر درزي) وأبقى على المناطق المختلطة في القائمقاميتين فتيل نار لتعود شرارة المعارك من جديد سنة ١٨٤٥. والجدير بالذكر أن قسمًا من السلاح الداخلي لم يسلّم بعد أحداث ١٨٤١، نتيجة التدخلات الخارجية، ومساعي بعض أفرقاء الداخل بتغذية الاقتتال عبر تقديم السلاح والعتاد والأموال اللازمة. فاحتمدت الأمور من جديد بين الموارنة والدروز كطرفين أساسيين في الصراع، وانتهت المعارك من دون تحقيق أي نصر لأي فريق على الآخر. وخلّفت المعارك مئات القتلى والدمار …
وبات الجبل تحت قبضة العثمانيين بشكل غير مباشر عن طريق تعيين قائمقامين وتغذية الصراعات الداخلية تحت شعار “فرّق تسد”. وما إن أقبلت سنة ١٨٦٠ حتى تجدد الاقتتال الداخلي بين أبناء الجبل لتعود السلطنة من جديد وتلغي نظام القائمقاميتين وتؤسس نظامًا جديدًا بمساعٍ أوروبية هو نظام المتصرفية ومن خلاله حكمت الجبل بين ١٨٦١ و ١٩١٨ عن طريق متصرف عثماني …
ومع الانتداب الفرنسي، صدرت الأوامر بنزع السلاح وها هي وثيقة موقّعة من البطريرك
الياس الحويك بتاريخ أول أيلول ١٩٢٣ الى السلطة الفرنسية في لبنان بهذا الخصوص. أرشيف بكركي، من ملفات البطريرك الياس الحويك، وثيقة رقم ١١، ١ أيلول ١٩٢٣.
وفي تاريخنا المعاصر، أمثلة كثيرة عن مساوئ التسلح خارج نطاق الشرعية، فالحرب الأهلية خير نموذج والتسابق الخارجي على استمالة أفرقاء الداخل بحجة الحماية لم يكن يومًا سوى عباءة لسيطرة خارجية ونفوذ يعلو سيادة الدولة الجامعة… لعلنا نتعظ من أخطاء الماضي المتكررة ونترك صوت السلم الأهلي والعيش المشترك وصوت الشرعية وسلاحها الوحيد بيد القوى الأمنية وحده يعلو فوق كل أصوات التفرقة والعصبيات المذهبية…




