أخبار محلية

لبنان… العجيبة الثامنة بين الانقسام والوحدة

كتب: سمير المصري
بلد العجائب
حقًا، إن لبنان هو من عجائب الدنيا. فمن المتعارف عليه أن في العالم سبع عجائب، لكن اسمحوا لنا أن نضيف إليها عجيبة ثامنة، هي لبنان. فما نراه ونسمعه في هذا البلد الصغير يفوق أحيانًا كل تصور.
فاللبناني المنتشر في مختلف أنحاء العالم لا يعرّف نفسه بأنه مسيحي أو مسلم أو درزي، بل يقول بكل فخر: أنا لبناني. يعمل وينجح ويترك بصمته، ويعتز بسمعته وسمعة وطنه، حتى أصبحت إنجازات اللبنانيين، منذ التاريخ القديم وحتى يومنا هذا، محفورة في ذاكرة العالم.
لكن، ما إن يدخل اللبناني إلى أجواء بلده وحدوده حتى يتغير كل شيء. فجأة يصبح الانتماء للطائفة أو الحزب أو الزعيم هو الأولوية، وكأن الهوية الوطنية تتراجع إلى الخلف.
وبحكم خبرتي في مهنة الإعلام، التي دخلت عامها الخامس والعشرين، أستطيع أن أؤكد أن ليس كل ما يُعرض على شاشات التلفزة أو يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي هو الحقيقة الكاملة. وهنا يحضر السؤال الشهير: «مَن فرعنك يا فرعون؟» فقال: «تفرعنت ولم يردعني أحد».
ولهذا أقول للجميع: عندما يجتمع أي زعيم مع وزير أو نائب، فإننا نحن المواطنين نكون خارج ذلك الاجتماع، ولا نعرف حقيقة ما يدور فيه. وقد تكون بعض اللقاءات هدفها شد العصب الشعبي، كما كان يحدث قبل كثير من الانتخابات.
من هنا، فإن ما أكتبه اليوم ليس دفاعًا عن أحد، بل دعوة إلى أن نتوحد وأن ننتبه إلى ما يُحاك للبنان، لأننا نحن وأولادنا من سيدفع الثمن في النهاية.
أما ما حصل بالأمس في برنامج «صار الوقت» مع الإعلامي مارسيل غانم، واستضافته للوزير السابق وئام وهاب، فقد أثار ردود فعل واسعة في الشارع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي. ومن حق أي إعلامي أن يستضيف من يشاء ويحاوره وفقًا للأحداث الجارية، خصوصًا في لبنان، حيث لا تمر ساعة من دون حدث يستحق النقاش.
لكن أن يتحول الأمر إلى تخوين الإعلامي وتشويه صورته فقط لأنه استضاف شخصية تختلف مع رأي زعيم أو حزب أو طائفة، فهذه هي المشكلة الحقيقية، وهي تعكس ضعفًا في تقبل الرأي الآخر.
أما بالنسبة إلى ما قاله الوزير السابق وئام وهاب، فهناك محطات كثيرة تستحق التوقف عندها. فمن المعروف أن صعوده السياسي ارتبط بمرحلة الوصاية السورية على لبنان، وبالخلاف الذي كان قائمًا بين النظام السوري والرئيس وليد جنبلاط، الذي كان من أبرز المطالبين بانسحاب الجيش السوري من الأراضي اللبنانية. وفي تلك المرحلة، كان الهجوم السياسي على جنبلاط مستمرًا، وكانت مكافأة وهاب توليه الوزارة.
لاحقًا، استفاد أيضًا من الدعم الذي وفره له حزب الله وإيران، سياسيًا وماديًا، في إطار مواجهة وليد جنبلاط داخل الجبل. ولا ينسى اللبنانيون أحداث السابع من أيار 2008 وما رافقها من تطورات في بيروت والجبل، حيث بقيت أسئلة كثيرة مطروحة حول مواقف عدد من القوى والشخصيات.
كما أُعلن يومها عن مشاريع إنمائية وصحية عديدة، لكن كثيرًا منها، بحسب منتقديه، لم يرَ النور بالشكل الذي وُعد به المواطنون.
أما اليوم، وبعد المتغيرات الإقليمية التي شهدتها المنطقة، وسقوط النظام السوري السابق، والتبدلات التي أصابت ما كان يُعرف بمحور الممانعة، فإن وئام وهاب يحاول العودة إلى الواجهة السياسية من بوابة الأحداث الجارية في السويداء.
لكن ما يجري في السويداء لا يعني أن وليد جنبلاط تخلى عن أبناء الطائفة الدرزية هناك، كما قيل. كما أن ربط كل زيارة للرئيس السوري أحمد الشرع بالأحداث الأمنية يحتاج إلى أدلة واضحة، لأن ما شهدته المنطقة خلال السنوات الماضية كان في كثير من الأحيان نتيجة تداخل عوامل محلية وإقليمية ودولية معقدة.
وفي النهاية، يبقى الحكم للناس. فلكل شخصية تاريخها وحضورها، ولكل زعيم ما له وما عليه. ورغم الأخطاء التي قد تُرتكب داخل أي حزب، بما في ذلك الحزب التقدمي الاشتراكي، فإن الإنصاف يقتضي إعطاء كل ذي حق حقه، مع توجيه النقد الموضوعي لتصحيح الأخطاء، لا لتصفية الحسابات.
إن لبنان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الانقسام والتحريض، بل إلى خطاب يجمع اللبنانيين حول دولة قوية، ومؤسسات عادلة، وقانون يطبق على الجميع. وحدها الوحدة الوطنية، والحوار، واحترام الرأي الآخر، هي الطريق لبناء مجتمع آمن ومستقر يحفظ كرامة جميع أبنائه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى