نهضوا من تحت الركام

كتب : هادي كحيل
حين تسقط المدن تحت وطأة النار، وتتحول البيوت إلى ركامٍ صامت، يظن البعض أن الحكاية قد انتهت. لكن في زوايا الغبار، وتحت حجارةٍ ما زالت دافئة بذكريات أهلها، يولد فصلٌ جديد. هناك، ينهض رجال الله حملوا في قلوبهم ما هو أثقل من السلاح: عهدًا بألا يتركوا الوطن وحيدًا.
لم يكونوا خارقين، بل أناسًا عاديين سرقت الحرب منهم تفاصيل الحياة البسيطة؛ ضحكة طفل، دفء أم، وهدوء مساءٍ بلا خوف. وحين سقطت الجدران، لم تسقط إرادتهم. مسحوا عن وجوههم غبار الانكسار، وتقدموا بخطى ثابتة، مدفوعين بإيمانٍ أن الأرض التي روتهم صغارًا تستحق أن تُصان وهم كبارًا.
لم تكن عودتهم إلى الميدان بحثًا عن مجدٍ شخصي، بل دفاعًا عن ذاكرةٍ جماعية، عن أسماءٍ محفورة على الصخر، وعن شوارع تعرف وقع أقدامهم. يقاتلون لأنهم يؤمنون بأن الأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل بعزيمة أبنائها حين يقررون النهوض، مهما اشتدّ الظلام.
وهكذا، من تحت الركام، لم يخرجوا جرحى فحسب، بل خرجوا أكثر صلابة. حملوا في أعينهم صورة الغد، وفي قلوبهم وعدًا صامتًا: أن تبقى الراية مرفوعة، وأن يعود للوطن صوته، مهما طال الصمت.




