أخبار محلية

عراب لبنان الكبير …

الياس الحويك، حياته وأبرز إنجازاته في سطور
للدكتور روني سمعان خليل أحد أساتذة التاريخ في الجامعة اللبنانية
نشأته وكهنوته:
ولد الياس الحويك في حلتا – البترون في كانون الأول من العام 1843، كان والده كاهناً فتأثر به، تعلّم في مدرسة مار يوحنا مارون كفرحي ثم سنة 1859 تابع علومه في مدرسة الآباء اليسوعيين – غزير حيث تلقّن العلوم المختلفة واللغات الفرنسية والإيطالية واليونانية الى جانب ما كان يتقنه من السريانية والعربية. ونظراً لنباهته، أرسله البطريرك بولس مسعد سنة 1866 الى روما بغية متابعة تخصصه فدخل مدرسة مجمع نشر الإيمان حيث مكث فيها حتى سنة 1870، نال خلالها شهادة الملفنة في الفلسفة واللاهوت ورقّي الى الدرجة الكهنوتية في العام المذكور على يد المطران يوسف جعجع في روما. وبعد رجوعه الى الوطن، أخذ يعلّم في مدرسة كفرحي. سنة 1872 عيّنه البطريرك بولس مسعد كاتباً لأسراره حتى تاريخ سيامته الأسقفية في العام 1889 على عكا ثم أقامه البطريرك يوحنا الحاج (1890- 1898) نائباً عاما له على منطقة جبيل والبترون، بعد أن أرسله الى روما موفداً عنه لاستمداد درع التثبيت.

بعد وفاة البطريرك مسعد العام 1890، راجت داخل أوساط بكركي، فكرة انتخابه بطريركاً غير أنّ قصر مدة أسقفيته وعدم دعم القنصل الفرنسي له حالا دون وصوله الى السدة البطريركية، وجدير بالذكر أن الحويك كان على صداقة متينة مع القنصل الفرنسي لكنه على خلاف مع المتصرف واصا باشا نظراً لسياسته الضرائبية الظالمة بحق الأهلين، فتفادياً لاشتداد الخلاف، ولعدم إغضاب المتصرف وكذلك السلطنة العثمانية، حُيّد الحويك عن البطريركية هذه المرة.

أبرز نشاطاته الاسقفية:

كان الحويك اليد اليمنى للبطريرك الحاج، وسفير الطائفة إن صح القول في الأقطار الإقليمية والخارجية، والمحرّك الأساس لمشاريع رعوية واجتماعية عدة، فبعد مفاوضات طويلة استطاع تأسيس نيابة بطريركية في باريس سنة 1890، وكذلك في العام 1891 استطاع الحصول على معبد في باريس قام بترميمه وتأثيثه ليكون بمثابة كابلا للطائفة هناك وبيتاً للكاهن. وضمن السياق عينه، أسس داراً للبطريركية في القدس في العام 1895 وجمع لها التبرعات والهبات من بعض المتمولين الموارنة. في العام ذاته بدأ بتأسيس جمعية راهبات العائلة المقدسة مع الأخت روزالي نصر ووضع قوانينها؛ الكمال الشخصي، الأعمال الإنسانية وترتيب الفتيات على أسس الدين والعلم والعمل. وما زالت جمعيته آخذة بالإزدهار الروحي والاجتماعي. وبعد مراسلات عديدة بين الحويك والقصادة الرسولية من جهة وراهبات أجنبيات، تمكّن من تسلّم مستشفى عمشيت في العام 1891، ثم عاد وأوكل راهبات مار يوسف الفرنسيات إدارته في العام 1893، مقابل شروط اتفق معهن عليها. وبات في العام 1895 مجهزاً بأحدث الآلات الطبية وأمهر الأطباء.

تابع أسفاره فزار روما ممثلاً البطريرك الحاج لتقديم التهاني للبابا لاوون 13 بمناسبة يوبيله الحمسين لارتقائه الأسقفية، في العام 1893. وحضر المجمع القرباني في أورشليم في العام المذكور على رأس وفد ضم الأساقفة نعمة الله سلوان ويوسف الدبس ويوحنا مراد واسطفان عواد، وحضر أيضاً مجمع ريمس – فرنسا في العام 1894، ومجمع البطاركة الكاثوليك في الفاتيكان في خريف العام نفسه ممثلاً الحاج أيضاً.

في العام المذكور، قصد مصر بزيارة رعوية حيث قابل الخديوي وبعض قناصل الدول الأجنبية تزامناً مع زيارته للجالية المارونية هناك مطلعاً على أحوالهم وشؤونهم.

في سنة 1898 مثّل البطريرك مجدداً في مجمع البطاركة الشرقيين في روما، وشدد سيادته في المجامع المذكورة على خصوصية الطائفة المارونية ومشرقيتها إزاء حركة الليتنة التي راجت بقوة خلال تلك الفترة.
علاقته بالسلطنة العثمانية:
كان محط احترام لدى العديد من أركان السلطنة العثمانية نظراً لشخصيته ومواقفه وخلال زيارة قام بها الى الآستانة (تركيا) في العام 1891 مُنح الوسام المجيدي من الرتبة الثانية ومبلغ 10 آلاف فرنك دعماً للمدرسة المارونية في روما. وما يدل على مواقفه الوطنية ودفاعه عن حقوق طائفته هو رفضه طلب سفير السلطنة في روما تقديم الفرمان من قبل البطريرك يوحنا الحاج بعيد انتخابه، وذلك خلال سفر الحويك الى المدينة المذكورة وقدّم سيادته البراهين الكافية متمسكاً بتقاليد طائفته فتراجع السفير عن مطلبه.

ترؤسه المدرسة المارونية حتى العام 1898 تاريخ وفاة البطريرك الحاج:

سنة 1890، وخلال وجوده في روما، طالب المجمع المقدس باستعادة المدرسة المارونية (كان قد احتلها نابليون بونابرت سنة 1798 وبيعت في العام 1812)، وبعد مفاوضات شاقة، استطاع الحصول على مطلبه، فبدأ بجمع المساعدات تمهيداً لإعادة فتحها بملكية الطائفة، فسافر الى فرنسا ثم الى النمسا لتحقيق هذه الرغبة وجال على العديد من المسؤولين الغربيين وكذلك فعل فزار السلطنة حيث نال مبلغ 10 آلاف فرنك دعماً لمشروعه ما يدل على اعتبار السلطنة العثمانية لشخصه. وفي العام 1893، وُفّق الحويك بدار اشتراه بقيمة 150 ألف فرنك في شارع “فيا بنشيانا” ليكون المدرسة المارونية الجديدة، وكانت الطائفة قد أمّنت 100 ألف فرنك في حين دفع الحبر الأعظم المبلغ المتبقي، وفي خريف ذاك العام، بات المبنى مجهزاً لاستقبال الطلاب الذين بدأوا يتوافدون إليه من الأبرشيات المارونية وظلت المدرسة بعطائها التربوي والروحي حتى سنة 1939 حين أقفلت. وترأسها سيادته بين سنة 1897 و 1898 فدبرها خير تدبير.

واستطاع كذلك الحصول على 8 مقاعد لطلاب موارنة في مدرسة سان سولبيس الفرنسية.

الياس الحويك البطريرك:

بعد وفاة البطريرك يوحنا الحاج، إنتخبه أساقفة الطائفة بطريركاً في 6 كانون الثاني 1899. وفي 14 أيلول من السنة المذكورة احتفل غبطته بلبس الباليوم (عبارة عن عباءة يمنحها الحبر الاعظم للبطريرك المنتخب إيذاناً ببسط سلطته الحبرية) في الديمان بعدما استحضره له المطران بولس بصبوص. كما وحصل على الوسام المجيدي من الرتبة الأولى من السلطنة العثمانية بعيد انتخابه بطريركاً وكذلك منحته فرنسا وسام جوقة الشرف من رتبة كومندور كما وأهداه البطريرك الأورشليمي وسام القبر المقدس.

وبعيد انتخابه أشاد به القاصد الرسولي لودوفيكس بيافي قائلاً:” هنيئاً للموارنة فقد قيّض الله لهم بطريركاً في سنّ يمكّنه من إسعادهم وخدمتهم فهو بحمده تعال قوي البنية عانى ما عاناه حتى الآن في سبيل خدمتهم ولسوف يواصل خطته هذا فضلاً عن انه حكيم قد أكسبته الأيام حنكة نادرة وخبرة تامة في شؤون طائفته عزّ نظيرها عند سواه.”

أعمال الياس الحويك البطريركية:

قام بأعمال عدّة خلال بطريركيته، وهذا أبرز ما قام به بسطور:
جرّ المياه إلى صرح بكركي وبنى جسراً يصل الصرح ببلدة زوق مكايل،
قام بتشجير غابة صنوبر في محيط الصرح وزاد من أملاك الكرسي،
رمم الصرح البطريركي في جديدة قنوبين (الديمان) سنة 1899 على طراز حديث وكذلك فعل في دير قنوبين القديم في العام 1909،
اعتنى بإصلاح كنيسة السيدة في بشري وبتجديد بناء دير مار سمعان القرن كما ساعد في إكمال بناء كنيسة شاتين وسواها من الانجازات الرعوية المماثلة… ناهيك عن عنايته بالرهبانيات وبالأبرشيات ومدارسها،
أكثر من زياراته الرعوية للأبرشيات،
اهتم بالتعليم وشجع على إقامة المدارس، وأرسل الطلاب لمتابعة التخصص في روما،
أسس نيابة بطريركية في مصر في العام 1904، وبنى كنيسة هناك،
قسّم أبرشية صيدا وصور الى أبرشيتين مستقلتين،
تابع شؤون المهاجرين فأرسل لهم الكهنة لخدمتهم،
تابع أسفاره فزار روما وفرنسا ومصر والآستانة متفقداً أحوال اللبنانيين هناك،
في العام 1904 بدأ العمل بتشييد مزار سيدة حريصا – درعون وانتهى بناؤه في العام 1908،
في سنة 1930، تم إعطاء رخصة لمجلة المنارة (تابعة لجمعية المرسلين الموارنة) التي ما زالت حتى يومنا هذا تقدّم المعارف والعلوم لقرائها،
في تشرين الأول 1926 تم إعلان تطويب الإخوة المسابكيين “الشهداء”. وفي السنة المذكورة قدّمت الرهبانية اللبنانية المارونية الى مجمع القديسين دعوى قديسيها الأب شربل مخلوف والأخت رفقا الريّس والأب نعمة الله كساب الحرديني.

مواقف البطريرك الياس الحويك الوطنية:

أدى البطريرك الحويك أدواراً وطنية بارزة فهو إن صح القول “عرّاب لبنان الكبير” ولا ننسى دوره الاجتماعي والوطني خلال الحرب العالمية الأولى ومواقفه بوجه القائد العثماني جمال باشا، وهذا سرد لأبرز ما قام به وطنياً.

موقفه من جمال باشا خلال الحرب العالمية الاولى:

دخلت السلطنة العثمانية الحرب الى جانب دول الوسط (ألمانيا- النمسا) مجابهة بذلك دول الحلفاء (فرنسا – بريطانيا- روسيا والولايات المتحدة لاحقاً)، وترتب على دخولها، إرسال فرقة عثمانية بقيادة جمال باشا الى جبل لبنان، فاخترق نظام المتصرفية ومارس سياسة ظالمة بحق الأهلين من فرض السخرة الى التجنيد الاجباري وتحويل الاديرة والمدارس الى ثكنات عسكرية وسواها من الخطوات التي أوصلت الى مجاعة رهيبة مع جملة عوامل أخرى داخلية منها وخارجية أيضاً. فرزح الجبل تحت وطأة مجاعة أودت بحياة 200 الف مواطن، على الرغم من المحاولات الحثيثة التي قامت بها البطريركية فأطعمت العديد من الجائعين وفتحت أبواب الأديرة ورهن غبطته لصالح القنصلية صليبه وأراض شاسعة مقابل الحصول على النقود لإطعام أبناء بلده.

وخلال تلك الفترة، سعى القائد جمال باشا الى التضييق على البطريرك نظراً لعلاقته الوثيقة بفرنسا، فطلب منه الفرمان مراراً، ولعد إغضابه أكثر، ودرءاً للمخاطر التي يمكن أن تحدق بالشعب، قدّم البطريرك الفرمان ليس قناعة منه بل تحاشياً للصراع مع العثمانيين وتماشياً مع الظروف. كما وطلب جمال باشا حضوره الى صوفر ففعل أيضاً في صيف 1915 وكذلك فعل في ربيع العام 1916 إذ زاره في مقره في بيروت. وفي صيف 1917 نجا غبطته من محاولة نفي كان دبّرها له جمال باشا إذ استدعاه الى مقره في صوفر، فعلم غبطته نية القائد المذكور وكان القنصل الفرنسي قد حذّره بعدم التوجه، وبعد إشاعة الخبر، توجّه البطريرك الى بحمدون فصوفر حيث التقى بجمال باشا الذي تراجع عن نيته بعد شيوع الخبر. أما المقابلة الرابعة والأخيرة فكانت في كانون الأول 1917 في بيروت.

الطروحات التي ظهرت خلال الحرب العالمية الأولى:

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى العام 1918، وخسارة دول الوسط، بدأت الطروحات الاستقلالية في المنطقة في الظهور، وتوزعت على الشكل الآتي؛

الوحدة العربيّة في إطار مملكة يرأسها الشريف حسين أو ابنه الأمير فيصل بتأييد إسلاميّ كبير ومن بعض أعيان طائفة الروم الأرثوذكس، بحيث تترابط دولها بما يشبه الترابط بين الولايات المتحدة الأميركيّة ما يعني أن يتمتّع كلّ قطر باستقلاله الداخليّ فيما تتولّى الحكومة المركزيّة السياسة الخارجيّة. وتتمثّل هذه الوحدة في العلَم الواحد والجيش الواحد والنقد الواحد وفي جوزات السفر والمصالح الاقتصاديّة. واعتبر الشريف حسين أنّ اللبنانيّين، ونظراً لوضعهم السابق، يمكن أن يختاروا لهم حاكمًا، شرط ألاّ يكون أوروبيًّا، أمّا في الإمارات العربيّة فتبقى الأسر الحاكمة، ويعيّن أميرها حكّام المناطق ويجبي الضرائب من دون أن يتوجّب عليه دفع أيّ ضريبة.

سوريا الكبرى أو سوريا الطبيعية (سوريا – لبنان – فلسطين)، طالب بها بعض المفكّرين من ذوي الاتجاه العلمانيّ، مع رفض مبدئيّ لحكم الأمير فيصل، ولاقت ترحيبًا وتأييدًا من المسيحيّين والمسلمين على السّواء…

التوجّه المنادي باستقلال لبنان وجد دعمًا فاعلًا من قبل أعضاء مجلس الإدارة ومن السلطة الروحيّة المارونيّة بشكل أساسيّ. وانقسم الداعمون لهذا الخيار بين فكرتين: الأولى تطالب باستقلال لبنان ضمن حدود لبنان الصغير، مع ضمّ بيروت فقط، لإقامة دولة ذات أكثريّة مسيحيّة، ومارونيّة تحديداً؛ والثانية، باستقلاله مع توسيع حدوده، بحيث يضمّ أيضاً بيروت وطرابلس وعكّار والبقاع وجبل عامل. وبدأ منظّرو كلّ طرح بالتجييش لأفكارهم، وعرضها على الحكومة الفرنسية التي راحت توازن بين الصيغتين وتترقب…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى