النفوذ ما بين الكفاءة والعدالة

كتب : هادي كحيل
في وطنٍ تضيق فيه الفرص يومًا بعد يوم، وتشتدّ فيه المنافسة إلى حدودٍ خانقة، لا يعود الصراع مجرّد تنافسٍ مشروع، بل يتحوّل إلى معركة بقاء. طموحاتٌ تتزاحم، ومسافاتٌ تختنق، وعدالةٌ تتراجع تحت وطأة المحسوبيات الحزبية والطائفية والسياسية، حتى يغدو الشعور بالإنصاف استثناءً لا قاعدة.
في مثل هذا المناخ، يجد كثيرون أنفسهم أمام واقعٍ قاسٍ: حقوقٌ لا تُنال بالكفاءة، بل عبر الوساطات، وفرصٌ لا تُمنح بالاستحقاق، بل وفق شبكات النفوذ. تتبدّل المعايير، وتختلّ الموازين، ويصبح ما كان مرفوضًا بالأمس عرفًا سائدًا اليوم، بل وأداةً من أدوات “النجاح”.
وسط هذا المشهد، يبرز سؤالٌ أخلاقي مؤلم: ما موقع من يرفض الانخراط في هذه المنظومة؟ ما مصير من يتمسّك بكرامته ويرفض أن يجعل التزلّف وسيلته الوحيدة للعيش أو التقدّم؟ أيُعاقَب على نزاهته أم يُقصى بصمت؟
الأكثر إيلامًا أن الظلم، حين يتكرّس، لا يعود يُنظر إليه كاستثناء، بل كأمرٍ طبيعي، وربما كحقٍّ مكتسب. فتصبح التجاوزات ممارسةً يومية، ويغدو العبث بمصالح الآخرين شأنًا عاديًا، بينما يقف المتضرّرون على هامش المشهد، بين صمتٍ مفروض أو يأسٍ متراكم.
غير أنّ التاريخ الاجتماعي يخبرنا بأنّ اختلال العدالة لا يمكن أن يستمرّ بلا كلفة. فالمجتمعات التي تُفرغ فيها القوانين من مضمونها، وتُستبدل فيها الكفاءة بالمحاباة، تدفع ثمن ذلك تآكلًا في الثقة، وتراجعًا في الإنتاج، وتناميًا في الإحباط العام.
أمام هذا الواقع، يتجدّد السؤال القديم بصيغةٍ أكثر حدّة: إذا كان البقاء للأقوى لا للأصلح، فمن هو الأقوى حقًا؟ أهو صاحب النفوذ والقدرة على فرض إرادته، أم صاحب الحقّ الذي يتمسّك بقيم العدالة رغم كلّ العوائق؟
سؤالٌ يظلّ مفتوحًا، لا يبحث فقط عن إجابةٍ نظرية، بل عن مراجعةٍ جماعية تعيد الاعتبار لمفهوم الاستحقاق، وتضع العدالة في موقعها الطبيعي: أساسًا للاستقرار، لا ترفًا أخلاقيًا
ه.ك




